السيد علي الطباطبائي
117
رياض المسائل ( ط . ق )
عن تفسير العياشي في تفسير وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ قال هو الجدي لأنه نجم لا يزول وعليه بناء القبلة وبه يهتدي أهل البر والبحر ونحوه آخر مروي فيه أيضا في تفسيره وهي وإن كانت مطلقة ليس فيها التقييد بأهل العراق لكنها خصت لهم بقرينة الرواة لكونهم منهم لكنها مع ذلك لا يخلو من إجمال سيما الروايات الأخيرة مع ضعف أسانيدها جملة بالإرسال والضعف بالسكوني في المشهور بين الطائفة فإذا العمدة هو استعمال قوانين الهيئة وعليه لا يستقيم جعل الأمور الأخيرة علامات لأهل العراق على الإطلاق كما نبه عليه جماعة من المحققين فقيدوا المشرق والمغرب بالاعتدالين حاكين له عن الأكثر وجملة منهم قيدوا الجدي بحالة غاية ارتفاعه بأن يكون إلى جهة السماء والفرقدان إلى جهة الأرض أو غاية انخفاضه عكس الأول ومع ذلك فقالوا إن بين العلامات الثلاث الأول اختلافا واضحا فإن العلامة الأولى سواء قيد المشرق والمغرب بالاعتدالين أو كان المقصود أن يجعل مشرق يوم على اليسار ومغرب ذلك اليوم على اليمين تقتضي محاذاة نقطة الجنوب وكذا العلامة الثالثة وأما الثانية فيقتضي انحرافا بينا عنها نحو المغرب وهو الموافق لمعظم بلاد العراق والأولى حمل العلامة الأولى والثالثة على أطراف العراق الغربية كالموصل وبلاد الجزيرة فإن قبلتهما يناسب نقطة الجنوب والعلامة الثانية على أوساط العراق كبغداد والكوفة والحلة والمشاهد المقدسة فإنه ينحرف قبلتها عن نقطة الجنوب نحو المغرب وأما أطرافها الشرقية كالبصرة فهي أشد انحرافا ويقرب منها تبريز وأردبيل وقزوين وهمدان وما والاها من بلاد خراسان ونزلوا إطلاق عبائر الأصحاب على ما ذكروه وفيه بعد ولذا جعل ذلك سبيلا إلى سهولة الأمر في القبلة واتساع الدائرة فيها وأنه لا ضرورة إلى ما ذكروه أرباب الهيئة مضافا إلى خلو النصوص عن بيان العلامات بالكلية إلا ما مر إليه الإشارة وقد عرفت أيضا إجماله ومع ذلك فقد ورد في الصحيح وغيره ما بين المشرق والمغرب قبلة قيل ويؤيد ذلك بأوضح تأييد ما عليه قبور الأئمة ع في العراق من الاختلاف مع قرب المسافة بينهما على وجه يقطع بعدم انحراف القبلة فيه مع استمرار الأعصار والأدوار من العلماء الأبرار على الصلاة عندها ودفن الأموات ونحو ذلك وهو أظهر الظاهر في التوسعة كما لا يخفى وفيه نظر يظهر وجهه بالتدبر فيما ذكره شيخنا في الروض فقال في جملة كلام له وأما توهم اغتفار التفاوت الحاصل بينها أي بين العلامات الثلث وعدم تأثيره في الجهة ففاسد لما تقدم في تحقيق الجهة من اعتبار تعين الكعبة وظنها أو احتمالها وهذا القدر من التفاوت لا يبقى معه شيء منها فإن من كان بالموصل مثلا وكان عارفا مجتهدا في القبلة ويقطع بكونه إذا انحرف عن نقطة الجنوب نحو المغرب بنحو ثلث ما بين الجنوب والمغرب الاعتدالين خارجا عن سمت الكعبة وكذا من كان بأطراف العراق الشرقية كالبصرة إذا استقبل نقطة الجنوب وهذا أمر لا يخفى على من تدبر قواعد القبلة وما يتوقف عليه من المقدمات ومن طريق النص إذا كان جعل الجدي على الأيمن يوجب مسامتة الكعبة في الكوفة التي هي بلد الراوي ونحوها كيف يوجب مسامتتها إذا كان بين الكتفين لبعد ما بينهما بالنسبة إلى بعد المسافة فإن الانحراف اليسير عن الشيء مع البعد عنه يقتضي انحرافا فاحشا بينه وبين محاذاته فإنا إذا أخرجنا خطين من نقطة واحدة لم يزالا يزدادا بعدا كلما ازدادا امتدادا كما لا يخفى وأيضا فلو كان جعله بين الكتفين محصلا للجهة كان الأمر بجعله على اليمنى لغوا خاليا عن الحكمة وإنما ذكرناه بطوله لحسن مفاده وجودة محصله وكذا منع هو وكثير من الأصحاب كالمحقق الثاني وجملة ممن تأخر عنهما عما قيل من أنه يستحب التياسر لأهل المشرق عن سمتهم قليلا قالوا لأن البعد الكثير لا يؤمن معه الانحراف الفاحش بالميل اليسير ومع ذلك هو أي هذا الحكم بناء أي مبني على توجههم إلى الحرم كما يستفاد من النصوص الدالة عليه منها الخبر عن التحريف لأصحابنا ذات اليسار عن القبلة وعن السبب فيه فقال إن الحجر الأسود لما أنزل به من الجنة ووضع في موضعه جعل أنصاب الحرم من حيث يلحقه النور نور الحجر فهي عن يمين الكعبة أربعة أميال وعن يساره ثمانية أميال كله اثنا عشر ميلا فإذا انحرف الإنسان ذات اليمين خرج عن حد القبلة لقلة أنصاب الحرم وإذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجا عن حد القبلة ونحوه المرفوع والرضوي إذا أردت توجه القبلة فتياسر مثل ما تيامن فإن الحرم عن يمين الكعبة أربعة أميال وعن يسارها ثمانية أميال والمبني عليه ضعيف كما تقدم وكذا النصوص الواردة هنا سندا لرفع الثاني وإرسال الأول في التهذيب وضعفه في الفقيه لتضمن سنده عن محمد بن سنان ومفضل بن عمرو الضعيفين عند الأكثر والرضوي قاصر عن الصحة وإنما غايته القوة وهي بمجردها لا تصلح المعارضة الاعتبار الذي ذكره الجماعة فما ذكروا لا يخلو عن قوة ولذا توقف فيه في ظاهر الدروس كالماتن في ظاهر العبارة إلا أن ظاهر من تقدمهم من الأصحاب عدم الخلاف في رجحان التياسر وإن اختلفوا في استحبابه كما هو المشهور على الظاهر المصرح به في عبائر هؤلاء الجماعة حد الاستفاضة وغيرهم كالشهيد في الذكرى وبها قد اختاره أو وجوبه كما هو ظاهر جماعة من القدماء ومنهم الشيخ في كثير من كتبه ومنها الخلاف مدعيا عليه الإجماع وحكى أيضا عن غيره فيمكن أن يجبر بذلك ضعف سند الروايات أو قصورها والبناء المتقدم وإن كان ظاهر كثير من الأصحاب كالفاضل في المنتهى والمحقق الثاني والشهيد الثاني وجملة ممن تبعهم ولكن ظاهر آخرين كالفاضل في المختلف والتحرير والإرشاد والقواعد والشهيد في الذكرى وغيرهما اطراد الحكم على كل من القول بالمبني عليه ومقابله لتصريحهم بهذا الحكم مع اختيارهم القول الثاني ولعل وجهه ما ذكره في الذكرى وغيره من أن القبلة هي الجهة ولا يخفى ما فيها من السعة ومرجعه إلى ما مر إليه الإشارة من سهولة الأمر في القبلة ولكن فيه ما عرفته فإذا العمدة هو النصوص المعمول عليها بين الطائفة مضافا إلى حكاية الإجماع المتقدمة وإن لم يصلح للحجية لوهنه بندرة القول به من حيث دلالته على الوجوب ولم نر قائلا به عدا الناقل ونادر وكيف كان فهو أحوط من الترك لضعف القول به بضعف دليله عن المقاومة لما دل على رجحان التياسر من الإجماع المنقول والنص المعمول به وأما ما ربما يجاب عنه بوروده مورد التقية لكون المحاريب المشهورة المبنية في العراق في زمان خلفاء الجور ولا سيما المسجد الأعظم